أقوال أهل التفسير
قال الطبري: «اختلفت القرَّاء في قراءة قوله تعالى ﴿الْمَتِينُ﴾، فقرأته عامة قرَّاء الأمصار- خلا يحيى بن وثاب والأعمش-: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] رفعًا، بمعنى: ذو القوة الشديد، فجعلوا المتين من نعت ذو، ووجهوه إلى وصف الله به … والصواب من القراءة في ذلك عندنا ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات٥٨] رفعًا على أنه من صفة الله جل ثناؤه. [تفسير الطبري (٢٢/ ٤٤٥]
وقال أيضا: - في قوله تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ إن الله قوي لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، ينفذ أمره، ويمضي قضاءه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحَد حججه [جامع البيان 5/ 3875]
قال ابن كثير: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٥٢]، أي: لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب. [تفسير ابن كثير ٤/ ٧٨]
قال الشيخ السعدي: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ أي: الذي له القوة والقدرة كلها [تيسير الكريم الرحمن ص813]
وقال ايضا:- ((القوي المتين))، هو في معنى العزيز، والعزيز الذي له العزة كلها، عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة، وخضعت لعظمته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوته أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى وعصفت بهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرَّقوا وتمزَّقوا في مهامه القفار، ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، فسبحان القوي المتين. [فتح الرحيم الملك العلام ص30، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص1101) بتصرف]
أقوال أهل العقيدة
قال الخطابي والمتين الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته ولا تلحقه في أفعاله مشقة، ولا يمسه لغوب [شأن الدعاء 77]
قال الحَليمي: المتين: وهو الذي لا تتناقص قوته فيهن ويفتر [المنهاج في شعب الإيمان ١/ ١٩٩].
قال الغزالي: والمتانة تدل على شدة القوة لله تعالى فمن حيث إنه بالغ القدرة فالله هو (القوي)، ومن حيث إنه شديد القوة فإنه سبحانه -متين-.
فالقوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة لله تعالى، [المقصد الأسنى ص 81-82]
دلائل معنى اسم الله المَتِينُ جل جلاله
أولا : أن الله تبارك وتعالى هو القوي المتين، الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة، ولا يمسه لغوب، ولا يئوده حفظ شيء، يمسك السموات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، القوي الذي له القوة التامة، وله القدرة المطلقة، الذي أوجد بقوته وقدرته وعلمه الأجرام العظيمة العلوية والسفلية، والأفلاك الواسعة.
ثانيا: أنه سبحانه يتصرف في ملكوت السموات والأرض كيف شاء، وبقوته وقدرته يتصرف بالظواهر والبواطن، الذي نفذت مشيئته في جميع البريات، لا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه كبير أو عظيم أو متكبر، الكل تحت قبضته، والجميع يعيش تحت سطوته، فمشيئته مرتبطة بقدرته، وقدرته مرتبطة بقوته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:83].
ثالثا: أنه سبحانه القوي المتين، شديد القوة، لا يقف لقوته أحد، يعمل ما يريد ويفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، أهلك سبحانه الأمم التي كذبت الرسل، وعاقبهم بأشد العقوبات كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم فرعون: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر:22]، ومن قدرته وقوته سبحانه أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في القفار ولجج البحار: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:9] وقال تعالى ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 78- 79]، فالله متين كامل القوة بلغت قدرته أقصى الغايات، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماوات، لأنه المتين البالغ في الشدة، متم قدرته وبالغ أمره، المتناهي في المتانة.
رابعا: أن الله لا يلحقه في أفعاله مشقة، بينما قوة مخلوقاته نسبية ولها حدود زمانية ومكانية، فلو أنك بذلت مجهودا ما أو ركضت لمسافات قليلة ستجد بعدها أنك أصبت بالإعياء، فإذا قلنا الله متين إذًا قدرته بالغة الشدة لا نهاية لها، ومن هنا يتضح لنا الفارق بين قوة الخالق وقوة المخلوقين، المخلوقون من بني البشر وغيرِهم تتغير قواهم من فترة لأخرى ومن وقت لأخر، فلو أنك لاحظت إنسانا عمره فوق الستين لوجدت أنه يختلف عن من كان عمره في الأربعين، فكلما تقدمت به السن تناقصت قدرته، وضعفت قوته، بخلاف القوي المتين سبحانه فقدرته كاملة وقوته مطلقه لا يفت فيها طول دهر، ولا يوهنها تسابق الزمان، ولا ينقصها الخلق ولا الإيجاد.
مظاهر الْمَتِينُ جل جلاله في الكون والحياة
إن الشواهد الدالّة على متانة الله عز وجل كثيرة جدًّا، ظاهرة في خلقه وأمره، من ذلك:: -
أنه سبحانه خَلَق الخلقَ وابتدأه على غبر سابق عهد، ولم يكن ذلك معجِزًا له، وهو خلقٌ عظيم كبير، السماوات والأرض وما فيهنّ من مخلوقات لها قدرة وشدّة، كلها جزء منه، فكان عِظم الخلق وقوته وشدته وكثرته دليلًا شاهدًا ومظهرًا بيّنًا على متانته جل جلاله.
أنه سبحانه وتعالى تكفّل بإيصال الرزق إلى جميع العالمين، ولا يستطيع ذلك أحدٌ سواه، بل لا يستطيع أحد أن يضيّق عطاء الله لأحد أو يمنع عنه ما أراد الله له، ولو اجتمع لذلك الخلق كله، فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. [انظر "تيسير الكريم الرحمن /للشيخ السعدي /ص113]
أنه يقهر أعدائه، والمستكبرين المتجبّرين من خلقه، كما في قصص الأقوام السابقة التي ذكرها الله في كتابه لتكون عبرةً وموعظة في قوة الله عز وجل وقدرته على خلقه، وقهره فوق عباده، كقوم عادٍ وثمودَ والفراعنة وغيرهم، يقول جل وعلا واصفًا حال قوم عاد: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [فصلت:15] يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير الآية: ﴿فَأمّا عادٌ﴾ فكانوا -مع كفرهم بالله، وجحدهم بآيات الله، وكفرهم برسله -مستكبرين في الأرض، قاهرين لمن حولهم من العباد، ظالمين لهم، قد أعجبتهم قوتهم، ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ قال تعالى ردًا عليهم، بما يعرفه كل أحد: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنهُمْ قُوَّةً﴾ فلولا خلقه إياهم لم يوجَدوا، فلو نظروا إلى هذه الحال نظرًا صحيحًا، لم يغتروا بقوتهم، فعاقبهم الله عقوبة، تناسب قوتهم التي اغتروا بها. [تيسير الكريم الرحمن /ص746].